المستقبل واقع

بسم الله الرحمن الرحيم

       الحمدلله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيد الخلق وحبيب الحق.

أما بعد ،،،

فالله عز وجل قال في سورة النحل الآية (1):

(أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (1) = فعل مضارع

          أتى بصيغة الفعل الماضي – أتى:  معناه قد جآء وانتهى الأمر لتحقيق وقوع الأمر وقربه.

          إن الله سبحانه وتعالى في آيات كثيرة يعبر عن المستقبل بالفعل الماضي لماذا؟  من أجل أن تشعر أن هذا المستقبل قد وقع ، وانتهى الأمر ، ولأن وعد الله عز وجل واقع لا محالة.

          والنبي – صلى الله عليه وسلم – يقول:  “بُعثت أنا والساعة كهاتين”  وأشار بأصبعيه:  “السبابة والوسطى”.

مثال1:   حيث قال الله تعالى في سورة المائدة الآية (116):

          (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ (116)

          هذا القول يكون من المله يوم القيامة على رؤوس الأشهاد الخلائق ليعلم الكفار أنهم كانوا على باطل ، والله يسأله عن ذلك توبيخاً وتبكيتاً لمن أدعى ألوهية عيسى.

          فالآن مستقبل في حكم الواقع – الآن العاقل ، الذكي الموفق هو الذى يعيش المستقبل ويتوافق معه منذ الآن ، والأقل ذكاء يعيش حاضره ، والغبي يعيش ماضيه – يتغنى بماضيه وواقعه سئ جداً.

          يبين الله عز وجل لنا أن المستقبل آت لا محالة ، والمستقبل سريع المجئ ، والمستقبل في حكم أنه قد أتى…

          لذلك قال سيدنا علي:  (كل متوقع آت ، وكل آت قريب).

          هذا الشئ نحسه جميعاً في حياتنا الدنيا ، بدأ رمضان أول يوم صلينا فيه أمامنا ثلاثين يوماً ، ما شعرنا اليوم إثنا عشر ، ولن يمضي وقت طويل حتى ينتهي رمضان ، ويأتي العيد ثم يأتي عيد الأضحى ، ثم يأتي الشتاء ، والربيع ، وتمضي هذه السنوات سنة أثر سنة ، وكأنها حلم يوم القيامة ، يُسأل الإنسان كم لبثت في الدنيا؟  يقول:  (يوماً أو بعض يوم).

          وفي آية أخرى فى سورة الأحقاب الآية (35):

          ( لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ (35)

حكمة:   (الدنيا سعة إجعلها طاعة).

          الزمن يمضي سريعاً وكل واحد منا له عمر ليسأل نفسه كيف مضى هذا العمر؟

          والله كالحلم ، كان بالخامسة عشر ، الآن بالسبعين ، وهكذا الماضي على طوله مضى ، فالمتبقي في الأعم الأغلب أقل مما مضى ، كيف مضى الذى مضى؟

          فهذه الآيات في القرآن الكريم التى تتحدث عن المستقبل.

بمعنى:   أن المستقبل واقع لا محالة ، بل في حكم الواقع ، وكأنه وقع.

          الآن المؤمن في أي أجواء يعيش؟  يعيش في المستقبل والمستقبل فيه موت ، في قبر ، في جنة إن شآء الله تعالى ، برمج حياتك ، دخلك إنفاقه ، بيتك ، زوجك ، أولادك ، كلامك ، حركتك اليومية ، برمجها بحيث يُسعد بها في المستقبل.

المؤمن غير الناس كيف؟

          الناس يستهلكون حظوظهم في الدنيا ، كيف يستهلكونها؟

          يأكل ، ينام ، يعمل نزهة ، يلبس ، يعزم ولكن ليس له هدف.

أما المؤمن..

          فهو يوظف حظوظه في الحق ، (1) يوظف الوقت في ذكر الله ، (2) يوظف القوة في طاعة الله ، (3) يوظف المال في خدمة الفقراء والمساكين ، (4) يوظف طلاقة لسانه في الدعوة إلى الله ، (5) يوظف علمه في البحث عن أدلة تقوي الإيمان.

          المؤمن يستثمر حظوظه في الدنيا ، وكأنها رأس ماله..  الكافر يستهلكها.

          فإذا الإنسان صرف من رأس ماله انتهى ، هذا إذا كان أنفقه في المباحات وكلامي دقيق جداً بمعنى:  لم يعمل المعاصي ، أستهلك ماله بالطعام والشراب واللباس – إستهلك وقته بالراحة والمزاح البرئ والكلام العادي والمسلسلات ، إستهلك صحته في كسب المال فقط.

          فيا أيتها الأخوات الكريمات ، الوقت يمضي سريعاً الإنسان:  “بضعة أيام كلما أنقضى يوم إنقضى بضع منه”.

          “وما من يوم ينشق فجره إلا ينادي – يا ابن آدم ، أنا خلق جديد ، وعلى عمل شهيد فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة”.

المعنى:   سمح لي الله عز وجل أن أعيش يوم جديد ، لأن الإنسان في النوم يتوفاه الله ، النوم وفاة مؤقتة ، والموت نوم دائم.

          مصداقاً لقوله تعالى في سورة الزمر الآية (42):

          (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى (42)

المعنى:  هناك الوفاة الكبرى وهي التى يقبضها الله عز وجل من الأبدان عند فناء آجالها – (2)الوفاة الصغرى ويتوفى الأنفس التى لم تمت في منامها إلى بقية أجلها.

          إن الله تعالى يتوفى الأنفس على وجهين:  (1) وفاة كاملة حقيقية وهي الموت ، (2)وفاة النوم لأ، النائم كالميت ، في كونه لا يبصر ولا يسمع.

قال إبن عباس:   إن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام فتتعارف ماشاء الله لها – فإذا أرادت الرجوع إلى أجسادها ، أمسك الله أرواح الأموات عنده ، وأرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها – ولا يغلط …..

          كل واحد منا إذا آوى إلى الفراش يموت لكن يموت ثم يبعث ، والنبي – صلى الله عليه وسلم – علمنا هذا الدعاء:

          “اللهم إن أمسكت نفسي فأرحمها وإن أرسلتها فأحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين”  أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة.

          فلما الإنسان يستيقظ معنى ذلك أن الله سمح له أن يعيش يوماً جديداً.

أول دعاء النبي الكريم:

          “الحمدلله الذى عافني في جسدي ، ورد على روحي ، وأذن لي بذكره”

          “الحمدلله الذى أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور”.

هنـــاك:

          ناس للساعة الثالثة نائمين وسهرانين بنوادي ليلية ، ولكن نحن الله عز وجل سمح لنا أن نستيقظ ، سمح لنا أن نذكره ، سمح لنا أن نصلي ، هذا فضل من الله عز وجل.

          إذاً الإنسان الله نوره وعرفه وأعانه على طاعته.

          لمجرد أن تدعو إليه ، هذا شرف كبير لا يناله كل إنسان ، إذا المؤمن يعيش المستقبل.

 

((والحمدلله رب العالمين))

اترك تعليقاً