البعث (أول مدارج اليوم الآخر)

بسم الله الرحمن الرحيم

 

       الحمدلله وكفى ، والصلاة والسلام على النبى المصطفى.

 

أما بعد،،،،

 

فالبعث:   (1) هو من أمور الدار الآخرة وهو الشئ الذى بعد عالم البرزخ مباشرة (القبر) هو ما يحدث فيه من روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار وما يجرى فيه على الميت من ثواب ومن عقاب وجحيم.

 

فإن أمور يوم القيامة تبدء بيوم البعث وهى القيامة العامة يجمع الله فيها الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم مصداقاً لقوله تعالى فى سورة الواقعة الآية (49 ، 50):

(قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ(49) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ)(50).

أما القيامة الخاصة فقد انتهينا منها مات فقد قامت قيامته ويعرف مكانه فى الجنة أو النار.

القيامة العامة وهى (1) تُصفى الحساب بين الناس بعضهم وبعض ، (2) وتأخذ من الظالم للمظلوم ، (3) ويفصل الله فيها بين المُحق والمبطل وبين الخير والشر ، (4) ويبين للناس حقيقة ما اختلفوا فيه.

أركان الإيمان ستة:

(1)والبعث من أركان الإيمان بالله وملائكته ورسوله وكتبه وباليوم الآخر والقضاء خيره وشره ….  إن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كان يعبر عن يوم القيامة باليوم الآخر أو البعث بعد الموت.  كلا التعبيرين معناهما واحد فلو ألح مقصر أو عاصى على الله أن يمنحها يوماً زيادة فيقول الله لها خلاص – نحن فى الآخرة – نقول:  اعطينى وقت إضافى استأنف فيه العمل معك يارب – مصداقاً لقوله تعالى فى سورة المؤمنون الآية (99):

(قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ). 

          يقول الله:   يوم البعث أتى – وهو اليوم الآخر الذى فيه ذهاب من غير إياب.

لماذا سمى البعث باليوم الآخر؟

          ويسمى البعث باليوم الآخر لأنه لا عمل بعده أبداً ولكن نيل الثواب أو العقاب وهناك الأجر والجزاء.

          ليس فى الآخرة من عمل إلا أهل الجنة يتلذذوا بتسبيح الله وهذا ليس بتكليف ولكن تشريف – ويلهمُنها كما يُلهم الإنسانُ النفس من غير إختيار – مصداقاً لقوله تعالى:

          (دعواهم فيها سبحانك اللهم – وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمدُلله رب العالمين) ، فيه تسبيح وفيه حمد – وهذا ليس محتم عليهم وهذا نوع من اللذة يجدونها فى هذا التسبيح لله.

ما هى الحكمة من يوم البعث؟

          البعث مطلوب فعلاً لان العالم يعيش فى هذه الحياة غير مستقر وتلك سنة الله التى أسس عليها هذه الحياة لا يوجد اطمئنان كامل ، وكما قال القرآن الكريم:  (أم للإنسان ماتمنى) هل كل ما يتمنى المرء يدركه القرآن قد بين لنا حكمة الله فى البداية والنهاية.

          فى البداية:  (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً) سورة المؤمنون.

          فى النهاية:  (وأنكم إلينا تُرجعون فتعالى اللهُ الملكُ الحقُ) تنزيه الله عن تصورات الإنسان.

          (أيحسب الإنسانُ أن يترك سُدى) فلا يؤمر ولا يُنهى.

          أيحسب أن يترك فى قبره كذلك أبداً لا يُبعث.

          هناك أُلوهية خلقته – وألوهية راقبته وألوهية سجلت عليه وأولوهية رزقته وأعطته وألوهية سوف ترجعة تاني ليقف أمامها وتحاسبه على ما قدم كما قال القرآن

          مصداقاً لقوله تعالى فى سورة الزلزلة الآية (6):

(يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ).

          فريق يأخذ جهة اليمين إلى الجنة وفريق آخر يأخذ جهة الشمال إلى النار (ليروا أعمالهم) يعنى ثواب أعمالهم ، نجد أن العاصى – الفاسق والضال فى عصيانه إلى أن يموت وكذلك الظالم يستمر على هذا التحلل والفجور فى ظلمة حتى الموت فلابد أن يأتى يوم يشفى الله فيه غيظ المؤمنين مصداقاً لقوله تعالى:

(ويشفى صُدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم).

المثال الأول للبعث:

          سورة البقرة:  سيدنا عُزير ..  الآية (59):

(أَنَّىَ يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا).

          وجد الموتى والدمار فى كل شئ فاستغرب أن الله يبعث هؤلاء الموتى من المقابر لأن بُختنصر البابلى دمر بلادهم (فأماته اللهُ مائة عام ثم بعثهُ).

          لم ينتظر الله أن يبعث العباد كُلهم ولكن جعلنه آية وهذا ثابت عند اليهود وكما يقولون نام عُزير وأسند رجليه على حائط فأستيقظ وهو على هذا الحال نام فى الصباح وأستيقظ فى العصر.

          (قال كم لبثت قال لبثت يوماً أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام)  الله هو قائل هذا.

          (وأنظر إلى العظام كيف نُنشزُها ثم نكسُوها لحماً).

          أحى الله أولاً:  عقله وقلبه وعينه – فأخذ يعقل ويفهم الأمور وينظر فلما نظر وجد عظامه مبعثرة فستغرب وكيف يرجع.  نظر وإذا العظام تجمع بعضُها على بعض ويظهر اللحم والأعصاب والجلد ثم وجد قائماً وقال الحمدلله – وقد أحياه الله فى سن الشباب الذى مات فيه وهو أربعين خمسين سنة (أعلمُ أن الله على كل شئ قدير).

          (وانظُر إلى حمارك وولنجعلك آية للناس).

         أليس هذا بعث للإنسان وبعث للحمار وللطعام والشراب ، وقال له الرب تبارك وتعالى:  بعد أن أوقفه على مظاهر قدرته فعلنا هذا بك لنريك قدرتنا على إحياء القرية متى أردنا إحياءها ولنجعلك فى قصتك هذه آية للناس تهديهم إلى الإيمان بنا وتوحيدنا فى عبادتنا وقدرتنا على البعث الآخر الذى لا ريب فيه لتجزى كل نفس بما كسبت.

ثانياً:  من أمثلة البعث:

          فى سورة البقرة الآية (258) إبراهيم مع النمرود بن كنعنان الجبار الذى يجادله فى الشام:

(إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ).

          فنحن زي بعض – قال إبراهيم للنمرود كيف تُحى الموتى؟

          أحضر نفرين محكوم عليهم بالإعدام فقال لواحد منهم اقتلوهُ ثم قال لإبراهيم إنى قد أماتُهُ – فقال إبراهيم والإحياء – قال النمرود:  للرجل الآخر المحكوم عليه بالإعدام قد عفوت عنك.

          فقال إبراهيم:  الإحياء هو أن تصحى الذى أماتُهُ – الذى قتلته ، قال:

          (فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ).

          وروى فى الخبر:  أن الله تعالى قال وعزتى وجلالى لا تقوم الساعة حتى آتى بالشمس من المغرب ليعلم (أنى انا القادر على ذلك).

          ثم أمر نمرود بإبراهيم فألقى فى النار وهكذا عادة الجبابرة فإنهم إذا عورضوا الشئ وعجزوا عن الحجة اشتغلوا بالعقوبة فأنجاه الله من النار.

ثالثاً:  من أمثلة البعث:

          فى سورة البقرة الآية (260)  ألتمس إبراهيم عطفاً وحناناً من ربه كيف يُحى الموتى ..  قال:  أنا يارب مُشتاق وعندى تطلع كيف تبعث الموتى؟

          مصداقاً لقوله تعالى:

(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى).

          الميت كيف ويصحو.

(1)فى التفسير:  خذ أربع طيور وقطعهم وخلطهم مع بعض لما يبقوا زى الكفتة ثم أنثرها على جبل عالى حيث حمل الريح كل ذرة وكل جزء فى مكان بعيد:

(قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا).

          ثم قف بأمر من الله تعالى ونادى يا أيتها الجلود المتقطعة والعظام النخرة اجتمعى كما كنت بأمر الله.

          أمره الله تعالى بأخذ أربعة طيور وذبحها وتقطيعها أجزاء وخلطها مع بعضها بعضاً ثم وضعها على أربعة جبال على كل جبل ربع الأجزاء المخلوطة (ففعل) ثم أخذ برأس كل طير على حده ودعاه فاجتمعت أجزاؤه المتفرقة المختلطة بأجزاء غيره وجاءه يسعى فقدم له رأسه فالتصق به وطار فى السمآء وإبراهيم ينظر ويشاهد مظاهر قدرة ربه العزيز الحكيم – سبحانه لا إله غيره ولا رب سواه.

يألف أوامرى:

          لو إن عندك شوية طيور أنت مربيهم منذ أن كانوا كتاكيت – أو حمام لما يألف صاحبه سواء كان رجلاً أو أنثى لما يراه من بعيد بالإلهام والغريزة يفرح حتى الكلب يعرف صاحبه ويكون فرحان به والغريب يهبهب عليه – أنت لما عاشرت الطيور شوية وشوية أكل – ألفوك وأنت لما عشرت الكلب وأعطيته لقمة أو لقمتين يحرصك ويفرح بك ويعمل لك شرف أستقبال – والله تعالى يقول:  السماء والأرض والكون كله يألف أوامرى؟  أكثر منك ملايين المرات – أنا الذى خلقتهم وهم فاهمين من خلقهم ومن دبرهم – وكذلك ابن آدم الله يقول له: موت يموت ، أبعث يبعث(فإنما هى زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة) (يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلاً).

رابعاً:  من أمثلة البعث:

          من سورة الإسراء الآية (49) ، الجماعة الكفار فى سورة الإسراء قالوا:

(وَقَالُواْ أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا).

          ربنا قال:  نعم لما تبقوا عظام ورفات وتراب وتداسوا بالنعال وتبقوا سبخ والسبخ يبقى ردم.

          مصداقاً لقوله تعالى فى الآية (50 ، 51

(قُل كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا(50) أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا)(51).

          يقول الله لهم ، كونوا ما شئتم فستعادون – أو تكونوا شئ عظيم مثل السموات والأرض والجبال لعظمها فى النفوس – يعيدكم الذى (فطركم) خلقكم وأنشأكم: (فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ).أى يحركون رءوسهم استهزاء ويقولون متى البعث والإعادة وهذا قريب – وكل ما هو آت فهو قريب.

خامساً:  من أمثلة البعث:

          سورة البقرة الآية (243) ، قوم من بنى إسرائيل ابتلاهم بالإستعمار فقال لهم نبيهم يا جماعة لازم من تضحية ومن دفاع ومجاهدة توكلوا على الله وتطلعوا جاهدوا هذا المحتل فيموت منكم بعض شهداء كرام أعزة وندفع ضريبة الحرية ولابد أن نُسقى شجرة الحرية بالدماء – هم بدل ما يحاربوا المستعمر خافوا وجبنوا وتركوا البلد للمستعمر – فربناغضب عليهم غضباً شديداً بدل ما يحموا الأرض ويصونوا العرض – وفى الطريق وهو هربنين فماتوا بالطاعون (الكلورا) موته نجاسة ودنس ..

 

          والله ذكر هذه القصة من أجل البعث – هؤلاء الناس الذين ماتوا بالطاعون ربنا أحياهم مرة ثانية – فكانت إماتتهم درس لهم فكانوا أهل شجاعة وأهل إقدام حتى طردوا المستعمر ..  مصداقاً لقوله تعالى فى سورة البقرة الآية (243):

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ).

          أماتهم الله تعالى مدة عقوبة لهم ثم أحياهم وميتة العقوبة بعدها حياة وميتة الأجل لا حياة بعدها – ويقال:  أنهم أحيوا بعد أن انتنوا.

          ليروا هم وكل من خلف من بعدهم أن الأمانة إنما هى بيد الله تعالى لا بيد غيره فلا معنى لخوف خائف ولا لاغترار مغتر الصحيحأنهم زادوا على عشرة آلاف – ويقول ابن عباس 40 ألف – 60 ألف  – 80 ألف.

سادساً:  من أمثلة البعث:

          فى سورة البقرة الآية (55 – 56):

(وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّه

نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ(55) ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)(56).

          هم السبعون الذين أختارهم موسى وذلك أنهم لما أسمعهم كلام الله تعالى قالوا له بعد ذلك (لن نؤمن لك) نزلت صاعقة أخذتهم (واحترقوا وأصبحوا تراب أسود حتى أن حرارة الإحتراق أوشكت ان تأخذ موسى.

          قال قتادة:  ماتوا وذهبت أرواحهم ثم ردوا لاستيفاء آجالهم لأنهم لو كانوا قد ماتوا بآجالهم لم يحيوا إلى يوم القيامة ، وفى إحيائهم مرة أخرى بعد أن مكثوا ميتين يوماً وليلة إظهار لقدرة الله تعالى واحتجاج على المنكرين للبعث – (ثم بعثناكم من بعد موتكم) للتأكيد على أن موتهم كان موتاً حقيقياً ودفعاً لما قد يتوهم من أن موتهم كان نوماً أو إغماء.

          وكان موتهم موت عقوبة ــــــــ  وليس موت نهاية الأجل ..

          سيدنا موسى جلس يبكى ، الله سبحانه يقول له:  ما لك ياموسى؟

          قال:  يارب ابعثهم من الموت حتى يرجعوا للجيش وكان عدده 180 ألف.

سابعاً:  من أمثلة البعث:

          سورة البقرة – سيدنا عيسى (عليه السلام)  كان يحيى الموتى بإذن الله.  كيف؟

          كان يأتى على القبر ويقول:  (يا صاحب القبر قم) فينشق القبر ويقوم الرجل بالكفن وشاحب اللون ويقول له:  (أشهدُ أن لا إله إلا الله وإنك يا عيسى رسول الله)  ويقول للزوجة خذى زوجك– وعيش ويخلفوا – وكانوا القوم فى عهده يقولون إن هذا إلا سحر ولكن هى معجزة.

          الإله الذى أعطى عبد من عباده قُدرة على إحياء الموتى بإذن الله أُمال الإله نفسه يعمل إيه؟

ثامناً:  من أمثلة البعث:

          فى سورة الكهف – سورة بحالها تتكلم عن أهل الكهف (سبعةُ وثامنُهم كلبُهم)  أخبارهم إيه؟

(إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا(10) فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا(11) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا)(12).

(وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ)(19).

          اذكر يامحمد للسائلين لك عن قصة هؤلاء الفتية إذ أووا إلى الغار فى الكهف فنزلوا فيه واتخذوه مأوى لهم ومنزلاً هروباً من قومهم الكفار أن يفتنوهم فى دينهم وهم سبعة شبان ومعهم كلب لهم ، فقالوا سائلين ربهم:  يارب أعطنا من عندك رحمة تصحبنا فى هجرتنا للشرك والمشركين ويسر لنا من أمرنا فى فرارنا من ديار المشركين خوفاً على ديننا (رشداً) صلاحاً ونجاةً من أهل الكفر والباطل.

سبب إختفائهم:

          كانوا مسلمين على دين عيسى وكان لهم ملك عابد وثن دعاهم إلى عبادة الأصنام فهربوا بدينهم منه خوف أن يقتلهم أو يجعلهم وثنين مثله.

          وقال كعب الأحبار:  مروا بكلب فنبح لهم فطردوه فعاد فطردوه مراراً ، فقام الكلب على رجليه ورفع يده إلى السماء كهيئة الداعى فنطق فقال:  (لا تخافوا منى!  أنا أحب أحباء الله تعالى فناموا حتى أحرسكم).   

مصداقاً لقوله تعالى الآية (18):

          (وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ).

        بفناء الكهف أو عتبه بابه …

          إذا كان بعض الكلاب قد نال هذه الدرجة العليا بصحبته ومخالطته الصلحاء والأولياء حتى أخبر الله تعالى بذلك فى كتابه جل وعلا فما ظنك بالمؤمنين الموحدين المخالطين المحبين للأولياء والصالحين –  روى الصحيح البخارى عن أنس بن مالك – رضى الله عنه قال:  (بينما أنا ورسول الله – صلى الله عليه وسلم – خارجان من المسجد فلقينا رجل عند سُدة المسجد فقال:  يارسول الله متى الساعة؟  قال رسول الله:  (ما أعددت لها) قال:  ما أعددتُ لها كثير صلاة ولا صيام ولا صدقة ولكنى أحب الله ورسوله ، قال النبى:  (فأنت مع من أحببت) قال أنس:  فما فرحنا بعد الإسلام فرحاً أشد من قول النبى – صلى الله عليه وسلم: (فأنت مع من أحببت)  قال أنس:  فأنا أحب الله ورسوله وأبابكر وعمر فأرجو أن أكون معهم وإن لم أعمل بأعمالهم.

          كلب أحب قوماً فذكره الله معهم!  فكيف بنا وعندنا عقد الإيمان وكلمة الإسلام وحب النبى – صلى الله عليه وسلم.

          والله سبحانه وتعالى ضرب على آذانهم حجاباً يمنعهم من سماع الأصوات ، الحركات فناموا فى كهفهم 309 سنة عربى 300 سنة ميلادى وكانوا يتقلبون بلطف الله وتدبيره لهم من جنب إلى جنب حتى بعثهم من نومهم ورقادهم (لما كل هذا؟)  علشان المنكرين للبعث يومها يؤمنون بأن هناك قدرة أحيت هؤلاء الموتى من قبورهم.

تاسعاًمن أمثلة البعث

          يقول الله تعالى فى سورة الحج الآية (5 ، 6 ، 7):

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ(5) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(6) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ)(7).

          (يا أيها الناسُ إن كنتم فى ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مُخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر فى الأرحام ما نشآءُ إلى أجل مُسمى ثم نخرجكم طفلاً ….).

 

          (وأن الساعة ءاتيه)  إن أى كافر ملحد خلا من التعصب والحقد والمؤثرات الجانبية يسمع هذا الكلام وهذا القرآن – هذا قرآن بتاع الراسخين فى الثقافات – هذا قآن بتاع أساطين العلماء إذا كنت شاكين فى المستقبل أقول لكم عن الحاضر خلقناكم من تراب (شوية تراب بينداس بالنعال)  نضع عليه ماء يبقى طين علشان تعرفى أن خلقك من طين وماء مهين – الأكل بتعنا من التراب ربنا جعل بقاءنا ونماءنا وصيانة نفوسنا على حساب التراب.

          (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى)

(وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتًا(17) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا)(18).

          (هذا دليل عقلى لعلهم يؤمنون).

          إذ أصلكم من تراب والنطف أيضاً من الغذاء المكون من التراب ثم خلقتكم تشبه النبات وهى على نظامه فى الحياة والنماء (ثم يعيدكم فيها) فى الأرض بعد الموت فتدفنون فيها (ويخرجكم منها) ويخرجكم من الأرض يوم القيامة للحساب والجزاء.

          التراب تحول إلى أكل وشرب الإنسان أخرته تراب – النبات أخرته تراب الحشرات تراب كله – وما خرج إلى الأرض لابد أن يعود إليها.

          والله يقول على لسان نوح الآية (13 ، 14):

(مَّا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا(13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا)(14).

          ما دهاكم أى شئ جعلكم لا ترجون لله وقاراً لا تخافون عظمته وقدرته وكبرياءه ولفت نظرهم إلى مظاهر قدرة الله تعالى.

          (اطواراً) الترابية – المائية قذف المنى – (3) نطفة (تحول المنى الأبيض إلى دم أحمر) ثم من علقة ثم من مضغة (قطعة لحمة).

          مخلقة:  تصبح المضغة طفلاً – وغير مخلقة:  يقول الله لها أنزلى مش هتكملى وهذا ما يُسمى بالإجهاض بالسقط 40 يوم / شهرين.

          (ونقر فى الأرحام ما نشآءُ) شوفى العظمة والقدرة المهيمنة التى تحكم ولا تُحكم ذكر – أنثى – شقى – سعيد – اسمر – أبيض – طويل – قصير – (وليس الذى يقول أنا سوف أتحكم فى نوع الذكورة والأُنوثة) (ويصوركم فى الأرحام كيف يشآء) (ثم لتبلغوا أشدكم).

          أربعين سنة منكم من يموت قبل أن يبلغ أشده ومنكم (من يرد إلى أرذل العمر يعيش 70 أو 80 سنة) فيهرم ويخرف ويصبح كالطفل لا يعلم بعد علم كان له قبل هرمه شيئاً وهذا دليل البعث وهو دليل عقلى منطقى وبرهان قوى على حياة الناس بعد موتهم إذ الذى خلقهم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة قادر على إحيائهم بعد موتهم إذ ليست الإعادة بأصعب من البداية.

عاشراً:  ودليل عقلي آخر على قدرته على البعث:

          قوله تعالى فى سورة الحج الآية (5):

          (وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ).

          (وترى الأرض) أيها الإنسان خامدة ميتة لا حراك فيها ولا حياة فإذا أنزل الله تعالى عليها الماء من السماء (اهتزت):  تحركت (وربت) ارتفعت وانتفخت تربتها وأخرجت من النباتات المختلفة الألوان والطعوم والروائح (دخول الحدائق ورؤية الأزهار وألوانها).

حادى عشر:  آية ثانية عن البعث:

          سورة المجادلة الآية (6):

(يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ).

          يوم يبعثهم الله جميعاً لا يتخلف منهم أحد فينبئهم بما عملوا من الشر والفساد أحصاه الله إذ كتبته ملائكته ونسوه يعمى قلوبهم وكفرهم بربهم ولقائه فلا يذكرون لهم ذنباً حتى يتوبوا منه ويستغفروا – وغير الكتبة الكرام فإن الله تعالى شهيد على كل شئ فلا يقع شئ إلا تحت بصره وعلمه.

كيف أحصاه الله؟

          المخلوق عمل عداد للحياة والنور وعداد للتاكسى فالرب عمل عداد يسجل عليك كل شئ – يقول الله سبحانه للإنسان أنت علمت كذا يقول:  لا لم أعمل.

          الله يقول له:  بلا شهادتى وأنا الله وما رأيك فى هذه الصورة – هذه صورة من؟  هذه حركة من (فاعترفوا بذنبهم فسحقاً لأصحاب السعير).

          ويقول الله تعالى فى سورة المجادلة الآية (18):

(يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ).

          يحلفون أمام الله كذب كأنه فاكر أنه فى الدنيا أمام أمه وأبوه وزملائه الذى كان يخادعهم يوم يبعثهم الله فى القيامة فيحلفون له أنهم كانوا مؤمنين كما يحلفون لكم اليوم أنهم مؤمنون ، ويظنون فى إيمانهم الكاذبة أنهم على شئ من الحق ..

          ثم نجد أن بعد البعث يأتى حشر ، حساب ، صراط ميزان – حوض ، نار وجنة.

          وسوف نتكلم عن كل واحدة من هذه الكلمات بتفصيل.

 

 

 

(  والحمدلله رب العالمين )

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اترك تعليقاً